ابو القاسم عبد الكريم القشيري
19
لطائف الإشارات
نزول الوحي عليه . ثم يورد جبريل ذلك على قلبه . ومرة كان يتمثل له الملك فيسمعه . والرسول - صلوات اللّه عليه - يحفظه ويؤدّيه . واللّه - سبحانه ضمن له أنه سيقرؤه حتى لا ينساه « 1 » . فكان يجمع اللّه الحفظ في قلبه . ويسهّل له القراءة عند لفظه . ولمّا عجز الناس بأجمعهم عن معارضته مع تحدّيه إياهم بالإتيان بمثله . . علم صدقه في أنّه من قبل اللّه . قوله جل ذكره : [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 196 ] وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ ( 196 ) جميع ما في هذا الكتاب من الأخبار والقصص ، وما في صفة اللّه من استحقاق جلاله - موافق لما في الكتب المنزّلة من قبل اللّه قبله ، فمهما عارضوه فإنه كما قال جلّ شأنه : [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 198 إلى 201 ] وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ ( 198 ) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ( 199 ) كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ( 200 ) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ( 201 ) « 2 » ثم أخبر أنه لو نزّل هذا الكتاب بغير لسانهم وبلغة غير لغتهم لم يهتدوا إلى ذلك ، ولقالوا : لو كان بلساننا لعرفناه ولآمنّا به ، فأزاح عنهم العلّة ، وأكّد عليهم الحجّة . ثم أخبر عن صادق علمه بهم ، وسابق حكمه بالشقاوة عليهم ، وهو أنهم لا يؤمنون به حتى يروا العذاب في القيامة ، حين لا ينفعهم الإيمان ولا الندامة . قوله جل ذكره : [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 205 إلى 209 ] أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ ( 205 ) ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ ( 206 ) ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ ( 207 ) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَها مُنْذِرُونَ ( 208 ) ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ ( 209 ) إن أرخينا لهم المدّة ، وأمهلناهم أزمنة كثيرة - وهم بوصف الغفلة - فما الذي كان ينفعهم إذا أخذهم العذاب بغتة ؟ ! . ثم أخبر أنه لم يهلك أهل قرية إلّا بعد أن جاءهم النذير وأظهر لهم البينات ، فإذا أصرّوا على كفرهم عذّبهم . قوله جل ذكره : [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 212 ] إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ( 212 ) .
--> ( 1 ) يشير بذلك إلى قوله تعالى : « سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى » آية 6 سورة الأعلى . ( 2 ) آية 42 سورة فصلت .